أبي منصور الماتريدي

133

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الحيض . فأخبر - عزّ وجل - أنه أَذىً . والعرب تفعل ذلك - ربما أن تفهم من الجواب مراد السؤال ، وربما تبين المراد في السؤال - وإذا جاز أن يتبع غير وقت الأذى وقت الأذى بالاتصال [ ومن بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل يجوز أن تتبع غير مكان الأذى مكان الأذى بالاتصال ] « 1 » ، واللّه أعلم ، ولا يحتمل أن يكون الأمر بالاعتزال يقع على اعتزال الأبدان والأشخاص بالاتفاق ؛ إذ كل يجمع أن له أن يمسها باليد وأن يقبلها وغير ذلك ، إلا أنهم اختلفوا في موضع الاستمتاع : قال أبو حنيفة - رضى اللّه تعالى عنه - : يستمتع بها ما فوق السرة وما تحت الركبة ، ويجتنب غير ذلك « 2 » . وقال محمد - رضى اللّه تعالى عنه - : يجتنب شعار الدم ، على ما جاء عن عائشة ، رضى اللّه تعالى عنها ، أنها قالت : « يتقى شعار الدم ، وله ما سوى ذلك » . ثم دل هذا

--> - ينظر : لسان العرب والقاموس المحيط ( حيض ) ، حاشية ابن عابدين ( 1 / 188 ) ، حاشية الدسوقي ( 1 / 168 ) ، مغنى المحتاج ( 1 / 108 ) . ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) اتفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في الفرج ؛ لقوله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ولقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اصنعوا كل شئ إلا النكاح » ، وحكى النووي الإجماع على ذلك ، واستثنى الحنابلة من به شبق لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج ، ويخاف تشقّق أنثييه إن لم يطأ ، ولا يجد غير الحائض ، بألا يقدر على مهر امرأة أخرى . واختلف الفقهاء في الاستمتاع بما بين السرة والركبة ؛ فذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والشافعية - إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة ، لحديث عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : « كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها . قالت : وأيكم يملك إربه كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يملك إربه ؟ ! » ، وعن ميمونة - رضى اللّه عنها - نحوه ، وفي رواية : « كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار » ، ولأن ما بين السرة والركبة حريم للفرج ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى . وقد أجاز الحنفية والشافعية الاستمتاع بما بين السرة والركبة ، من وراء حائل . ومنعه المالكية . كما منع الحنفية النظر إلى ما تحت الإزار ، وصرح المالكية والشافعية بجوازه ولو بشهوة . ونص الحنفية على عدم جواز الاستمتاع بالركبة ، لاستدلالهم بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما دون الإزار » ، ومحله العورة التي يدخل فيها الركبة . وأجاز المالكية والشافعية الاستمتاع بالسرة والركبة . وقد ذكر الحنفية والشافعية حكم مباشرة الحائض لزوجها ، وقرروا أنه يحرم عليها مباشرتها له بشيء مما بين سرتها وركبتها في جميع بدنه . وذهب الحنابلة إلى جواز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج ، فله أن يستمتع بما بين السرة والركبة ، وهذا من مفردات المذهب . ويستحب له حينئذ ستر الفرج عند المباشرة ، ولا يجب على الصحيح من المذهب ، قال في ( النكت ) : وظاهر كلام إمامنا وأصحابنا : أنه لا فرق بين أن يأمن على نفسه مواقعة المحظور أو يخاف ، وصوب المرداوى أنه إذا لم يأمن على نفسه من ذلك حرم عليه ؛ لئلا يكون طريقا إلى مواقعة المحظور . ينظر : حاشية ابن عابدين ( 1 / 195 ) ، حاشية الدسوقي ( 1 / 173 ) ، مغنى المحتاج ( 1 / 110 ) ، المجموع ( 2 / 368 ) .